معز محيي الدين ابو الجدايل

معز محيي الدين ابو الجدايل

لدى متابعة الاحداث الجارية في العراق وما نسمع في وسائل الاعلام العربية اليومية باستخدام مفاهيم سميت بالمقاومة الوطنية ضد الاحتلال الامريكي في العراق ، ولدى سماع وسائل الاعلام الاخرى والموقف من العمليات الارهابية ، نطرح سؤال لماذا هذه المفارقة الشاسعة في وسائل الاعلام ؟ ومن الخطأ التاريخي والمعيب بان نجيب على هذا السؤال بتلك العبارة المختصرة والمعتادة من قبل سلطات الحاكمة في الدول العربية بحجة تأثير اليهود على الاعلام العالمي مع اننا لا ننكر وجود تأثير من هذا النوع والواقع ان هناك شيء مهم (السلطات الحاكمة) لا تملك اساليب الصراع الحديث ولم تسعى خلال وجودها لبناء وتطوير مؤسساتها لمجابهة المتغيرات الدولية .
فاذا ما عدنا بالتاريخ الى الوراء قليلا واجرينا مقارنة بين عصرنا الحالي والعصور الماضية نجد ان المقاومة عبر التاريخ ، مع تطور المجتمع البشري، اخذت اشكال متعددة ، واسلحة مختلفة، فقد كان الخوف من الفراغ المقبل بنسف الافكار القديمة المعتاد عليها وقبول الافكار الجديدة والتي هي مجهولة بنتائجها، يدفع الناس الى المقاومة للافكار الجديدة ، والتي بدورها تناقض معتقدات المجتمع السائد . ومن ناحية ثانية ان ظاهر الامور لدى الاحداث التاريخية مختلف ، وجوهرها واحد ، نورد مثالا تاريخيا عن مقاومة المجتمعات الاوروبية للافكار القادمة من الثورة الفرنسية ، في البداية كانت حمقاء قامت حروب خاسرة فاضطرت المقاومة باتخاذ شكلا آخر ـ المجابهة بالتغيير للحفاظ على الخصوصية ـ في نهاية المطاف تغلغلت الافكار الرأسمالية بالمجتمع الاوروبي وتحول المجتمع الاقطاعي الى مجتمع رأسمالي مع محافظة هذه المجتمعات على خصائصها الداخلية، أما ما حدث في الولايات المتحدة الامريكية فقد قاوم الهنود الحمر عنصرية ذوي البشرة البيضاء حتى الفناء، ولم يكن باستطاعة الهنود الحمر استيعاب حقيقة الخطر المحدق بها.
ان اختلاف المثالان السابقين في الظاهر ولكن جوهر عملية واحدة “هي الحفاظ على القيم والمفاهيم السائدة في المجتمع هذا أو ذاك ” لذا فان هذا التغيير لمختلف وجوه الحياة يقودنا الى القول انه يوجد تعريف ثابت لجوهر المقاومة ، كما يوجد اختلاف في الظاهر وهو اسلوب المقاومة وهو بحد ذاته اشارة تعبير عن مدى تطور المجتمع.
في هذا العصر ومع تقدم المجتمع الدولي وبعد ان اصبح للدولة منافس على المسرح الدولي، لم تعد هي اللاعب الوحيد بامتياز وهذا يضعف الدولة كسلطة ذات سيادة ، فهناك مؤسسات من طبيعة اقتصادية ودينية وانمائية واجتماعية ، كالشركات المتعددة الجنسية التي هي شركات تجارية خاصة تتجاوز نشاطاتها الحدود والتقنيات الوطنية ، لها استراتيجيا ت دولية والمنظمات الدولية غير الحكومية، ان هذه المؤسسات تزداد قوة يوما بعد يوم ، تعمل خارج اطار الدولة وتخترق بانشطتها المتعددة مختلف الدول، على حساب سلطة الدولة ومن ناحية اخرى فان التقدم التكنولوجيا المذهل أدى الى خروج العلاقات بين المواطنين الدول عن نطاق الضبط والمراقبة من قبل سلطات الدول، وقد أصبحت الدولة عاجزة عن تلبية متطلبات مواطنيها المتزايدة وبخاصة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي ولذا نجد ان الدول تسير نحو الانفتاح على بعضها البعض واطلق العلماء على هذا العصر بالعولمة فهي تمر بمرحلتها الرابعة كما صنفها الاكاديمك البرفيسور عبد الزهرة العيفاري
ان تتابع الاحداث ودخول العولمة عصرها الحالي “الفترة الرابعة” يفرض قيام نظام عالمي جديد ، قادر على ضبط أوضاعه وتنظيم العلاقات في داخله ، وهذا النظام لا ينشأ الا اذا توفرت فيه السياسة الجديدة القادرة على ايجاده ، فالسلطة السياسية الجديدة هي المنظم والضابط للدول ولشؤون المجتمع الدولي الجديد نجده يفرض تغيير كامل في مفاهيم الحياة السابقة، ومنها مسألة الوطن وبالتالي مفهوم المقاومة الوطنية ـ الارهاب.
ففي الحرب العالمية الثانية عندما ظهر الفكر النازي، ظهرت فكرة المقاومة الوطنية المضادة التي انتصرت في نهاية المطاف فاصبحت المقاومة الوطنية : هي حق ابناء الشعب الشرعي في الدفاع المسلح عن الارض والكرامة الوطنية ابان الحرب العالمية الثانية قاوم العالم باجمعه الطموحات النازية والفاشية في السيطرة المباشرة على العالم وبلغت ضحايا هذه الحرب بملايين الناس، وسميت وحتى هذه اللحظة بالمقاومة الشرعية، وبعدها مر المجتمع البشري بنهضة سميت بتلك الفترة بالحركات الثورية ، فقد قاد الاتحاد السوفيتي هذه الحركات التحررية بتلك الفترة وتحت شعار الاشتراكية الماركسية والتي اعتمدت على المرحلة الاولى الا وهي ديكتاتورية البروليتاريا ” القضاء على السلطة السياسية للدولة البرجوازية او الحكومة التابعة للامبريالية العالمية” ومن ثم جاءت الاسباب المباشرة او غير المباشرة لتفاجئ العالم بسقوط الدولة العظمى بساعات معدودة، وامام هذه المتغيرات العالمية نجد نحن شعوب بلدان العالم النامي أنفسنا أمام امبراطورية القطب الواحد تفيض على مجتمعاتنا بامكانياتها الضخمة.
في امر الواقع لدى دراسة الوضع العربي الحالي أمام هذه المتغيرات العالمية نجد ان صالح “الانظمة العربية” التلاعب بعقول الناس، ونصرح بهذا لفشلها باستغلال مفهوم المقاومة في زمن سابق لتحقيق مصالح شعوبها ” والان تسعى للمحافظة على مفهوم المقاومة الوطنية بشلكه السابق ، وهو مفهوم صحيحا في جوهره ولا يتغيير “الدفاع عن مصالح المجتمع ” وخاطئ في ظاهره “الاسلوب الذي تدعو اليه تلك الانظمة” تبث برامج الاعلام العربي عن بطولات “اسطورية قديمة” بدلا من بناء مؤسسات تستطيع مضاهات المؤسسات الاجنبية، وتقوم بتسمية العمليات الجارية في العراق بالمقاومة الوطنية ضد الاحتلال التي تقتل جندي اجنبي ودعم هذا الشكل من العمليات ، وارهاب الذي “يقتل المدنيين” وكأن هذه التسمية تحل مشكلة الشعب العراقي!؟، وبقتل الاف الناس كي يثمر عن قتل جندي واحد.
بل ان الانظمة تسعى لحماية مصالحها وليس هدفا بقيام وازدهار للشعب العراقي، بل جر شعوبها نحو حروب مفتوحة الامد بهدف الهروب من متطلبات الحياتية للمجتمع، والمحافظة على سلطاتها وهو بحد ذاته دليل واضح عن عجزها تأمين المتطلبات المتزايدة للمجتمع، الاجتماعية والاقتصادية ، فالغالبية المطلقة من ابناء الدول العربية يعيشون ضمن قهر وفقر من ديكتاتوريات اشد وقعا عليها من المسماة بقوى الاحتلال ، قام النظام العراقي بكل وحشية بقصف ابناء شعبه بالمواد الكيماوية، كثير من ابناء الشعب نتيجة الفقر والقهر وقعوا فريسة سهلة بيد منظمات دينية وبشعاراتها الارهابية وتلك المنظمات بعيدة كل البعد عن الدين، طبعا لا احد يؤيد دخول قوات اجنبية اراضيها كما لا يمكن الحديث عن المقاومة الوطنية بالشكل السابق كما حدث في القرن العشرين فمثلا في العراق ” لولا دخول القوات الاجنبية لم يستطع الشعب العراقي الخلاص من ديكتاتورية قامت لعقود عدة، وعلى سلطة قوية ، ابادت وهجرت كثيرا من ابناء شعبها وما زالت بقايا هذه السلطة تبدي مقاومة ضد ابناء شعبها اكثر من مقاومتها للقوات الاجنبية” يقتل المئات من الناس كي يستطيع ” الارهابيون” قتل جندي اجنبي! انها مهزلة وكمن يحي المومياء.
فالمقاومة الوطنية المتبعة في هذا العصر هي مناهضة العولمة، ليس برفضها كاملة واستخدام العنف، بل برفض سلبياتها واستخدام تقنياتها، ببناء مؤسسات اقتصادية قادرة على تلبية حاجات المجتمع أولا واسلوب المنافسة ثانيا ومثالا على ذلك رفض خصخصة قطاع الدولة الهام، واعطاء القطاع الخاص حقوقه، اما ما نجده عند الزعماء العرب هو قبول السلبيات والبدء بخصخصة قطاعات المهمة في الدولة وتحت شعار القطاع الخاص تقوم على ممارسة نشاطاتها التجارية المربحة لها، وعلى ابناء شعبها الدفاع عن الوطن وبالاساليب العنف.وعدم سماح ببناء مؤسسات وطنية تستطيع منافسة القوة الاقتصادية الجديدة والحاكمة بمصير ابناء شعبنا.