أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي

صالح سليمان عبدالعظيم  

تعتبر أزمة العلوم الاجتماعية أزمة حضارية لا تنفصل عن تدهور المجتمعات العربية ذاتها قبل أى شيئ آخر. فالعلوم الاجتماعية تمثل إمتداداً للحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتدهورة على مستوى السياق العربي بعامة، وعلى مستوى الحالة القطرية بخاصة. فلا يمكن تصور وجود علوم اجتماعية متطورة ومتقدمة، في ظل تدهور مجتمعي على المستوى الحضاري والمادي.

تبرز أزمة العلوم الاجتماعية حضاريا من خلال حالة التخلف التي لم تنجح الكثير من الدول العربية الفقيرة في تجاوزها حتى الآن. كما لم تنجح الكثير من الدول الغنية ماليا في بناء قاعدة حقيقية للتنمية الصناعية والتكنولوجية والزراعية. ورغم محاولات البعض منها البدء في ذلك، لكنها مازالت محاولات محدودة لا تتناسب مع حجم الوفورات المالية الموجودة. فاللافت للنظر هنا، أن مسيرة المجتمعات العربية، رغم ادعاء الكثير منها بغير ذلك، كانت ومازالت تتم في كنف الدول الكبرى، ومن خلال توجهاتها، وأطرها المعروضة والمفروضة في الوقت ذاته، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، وهو الأمر الذي انعكس بدرجة كبيرة على نشأة ونمو وتطور العلوم الاجتماعية في العالم العربي.

فكما لهثت الحكومات وراء القوى الكبرى، لهثت العلوم الاجتماعية في العالم العربي، وراء ما تلهث وراءه حكوماتها. لذلك جاءت هذه العلوم مصحوبة بأزمة التقليد والمحاكاة لما تُطلقه الجامعات ومراكز البحوث الغربية. وكما إستوردت الحكومات أطراً ومشروعات تنموية غير صالحة لطبيعة المجتمعات العربية، إستوردت العلوم الاجتماعية، وهذا أشد خطورة مما قامت به الحكومات العربية، أطراً فكرية متعارضة مع طبيعة العقليات والبنيات العربية.

ومما زاد من حجم الكارثة، هو تلك الأخطاء التطبيقية الهائلة التي قامت بها الحكومات العربية في نقل تجارب التنمية الغربية. فمن خلال عملية النقل السريعة، والرغبة في إيجاد منتج خاص بالعلوم الاجتماعية العربية، أصبحت ملاحقة ما تنتجه العقلية الغربية هى الهدف في حد ذاته، بغض النظر عما يتطلبه الواقع العربي المحلي من ناحية، وبغض النظر عن استيعاب هذه المنتجات الغربية وفهم الأطر الزمنية والاجتماعية والفلسفية التي ظهرت من خلالها من ناحية أخرى.

خلقت هذه المحاولات المرتبطة بالسياق الغربي، سواء من موقف تابع أو من موقف نقدي، محاولات مضادة من أجل البحث عن أطر مجتمعية محلية بما يعرف بأسلمة المعرفة. ورغم صدق نوايا بعض هذه المحاولات إلا أنها لم تقدم ما يُعتد به من ناحية تقديم نظريات ومنهجيات جديدة وجادة لدراسة المجتمعات العربية، بقدر ما تحولت مشروعاتها إلى اقتباسات عديدة وكثيرة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

إضافة إلى ذلك، لا تساعد بنية الثقافة العربية ذاتها على عمل وتطور العلوم الاجتماعية، التي تحتاج إلى مناخ مواتي من الحرية والجدل والتسامح. فالثقافة العربية المعاصرة تتسم بمجموعة من السمات المُعطلة لعمل العلوم الاجتماعية. فهى ثقافة راكدة ومُتجذرة بنيويا تستقي عناصر بقائها من طول حالة الإستبداد السياسي وهيمنة دولة ما بعد الاستقلال من ناحية، ومن حالة الضعف الاقتصادي والحضاري التي تشهدها المجتمعات العربية منذ عقود طويلة من ناحية أخرى.

ويمكن إجمال مجموعة من السمات التي تتميز بها الثقافة العربية، والتي تقف بالسلب من عمل العلوم الاجتماعية في عالمنا العربي: استشراء ثقافة الهيمنة والاستبداد، شيوع ثقافة الخوف من العمل الجمعي، الانسحابية والانغلاق على الأسرة, الخوف والتوجس من الآخرين، ضعف ثقافة احترام حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الشعبي، وأخيراً تريف الثقافة العربية.

وترتبط أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي، بتدني مستوى معظم الجامعات العربية، وضعف الأداء التدريسي بها، إضافة إلى الأعداد الهائلة التي تستقبلها هذه الجامعات من المتقدمين لها سنويا، الأمر الذي لا يتناسب مع امكانيات هذه الجامعات الاستيعابية والتمويلية. كما تأتي العلوم الاجتماعية في أدني السُلم التراتبي من ناحية تقييم الطلبة لها، والتصور الشعبي لمرتاديها والعاملين بها.

فهناك تصور على المستوى العام بتدني قيمة العلوم الاجتماعية، وكليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي. فكليات الآداب هى مأوى الحاصلين على أدني الدرجات في سُلم الثانوية العامة، والذين فاتتهم حظوظ التقدم للكليات العملية مثل الطب والهندسة والعلوم والحاسبات الآلية… إلخ من مثل هذه النوعية من التخصصات ذات الاحترام والتقدير المجتمعي من ناحية، وذات العلاقة المباشرة والقوية بالاحتياجات الإنسانية المجتمعية وبسوق العمل من ناحية أخرى. كما أن هناك تصوراً عاماً بأن هذه الكليات هى مأوى الإناث الذين يبغين مجرد الحصول على شهادة جامعية قد تؤمن لهن وظيفة ما في أى مدرسة حكومية أو خاصة، أو قد ترفع من قيمتهن في سوق الزواج.

وفي ضوء التوسع في افتتاح الجامعات في الكثير من الدول العربية، وبشكلٍ خاص في المناطق النائية الريفية، إضافة إلى معدلات الهجرة الريفية الهائلة من الريف إلى الحضر في العالم العربي، ظهر ما يمكن أن نُطلق عليه “تريف الجامعة”، وبالتبعية “تريف العلوم الاجتماعية”. وهو الأمر الذي نعني به فرض القيم الريفية المحافظة التقليدية على بنية العلم، واختيار الموضوعات التي تبدو فيها الدعاية الأخلاقية أكثر من التحليل العلمي المنهجي الرصين. فالقيم الريفية لا تساعد على خلق حالة التمرد والالتزام، بقدر ما تساعد على تكريس قيم الخضوع والخنوع والانتهازية، وهذه قيم مضادة لبنية العمل وتطويره بشكلٍ أو بآخر. إن تريف العلوم الاجتماعية يقع في المسافة المؤيدة لقيم السلطة السياسية في العالم العربي والمحافظة عليها، فهى قيم ضد التغيير وضد التطور والديمقراطية.

لقد انعكست تلك الأوضاع المهترئة على طبيعة المنتج العلمي الخاص بالعلوم الاجتماعية فجاء يحمل العديد من السمات المرتبطة باهتراء الواقع المعيش. فلم يشكل هذا المنتج في الكثير من الأحيان إضافة حقيقية لفهم الواقع الاجتماعي المعيش بتجلياته وتحولاته المختلفة. حيث جاء إما استنساخاً كاملاً من بحوث سابقة، أو تقليداً باهتاً لمناهج ونظريات غربية. وعلى ما يبدو أن حالة الضعف الإنتاجي على المستوى المادي، لا تنفصل بدرجة أو بأخرى عن حالة الضعف الفكري، فكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض.

إضافة إلى ما سبق، لعبت عقلية الموظف، الغالبة على قطاع واسع من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية، دوراً كبيراً فيما وصل إليه المنتج الاجتماعي. فالرغبة في الترقي والحصول على الدرجة العلمية، قد أوصلت البعض إلى ما يمكن وصفه “بسلق البحوث” بدون القدرة على التعمق والقراءة والفهم والتحليل. كما أن عقلية المجاملات الشائعة في عالمنا العربي قد ساهمت في ظهور العديد من الكتابات التي لا تليق بكونها تتعلق بفهم الواقع الاجتماعي العربي المعيش، ولا تليق بظهورها للنشر العام. واللافت للنظر هنا ارتباط عملية النشر، في الكثير من الأحيان، بالعلاقات الاجتماعية وشبكات التدريس وبالمكاسب المادية، حيث أصبحت الجهود المبذولة في العلاقات الاجتماعية أكبر بكثير من الجهود المبذولة في البحوث والدراسات الاجتماعية.

كما يلفت النظر في بنية المشتغلين بالعلوم الاجتماعية، هو إعادة تأسيسهم لجملة أخلاقيات وسلوكيات تأسست من خلال الأطر والتحولات السياسية والفترات الزمنية المختلفة، إضافة إلى ما أنتجوه هم، وراكموا عليه. وإذا كان المشتغلون بالعلوم الاجتماعية لم ينجحوا في إنتاج مدارس نظرية يراكم من خلالها اللاحقون على من سبقوهم، فإنهم قد نجحوا في الحفاظ على خصائص مؤسساتهم المختلفة، على الأخص في جوانبها وملامحها السلبية، ولم ينجحوا في تطويرها والخروج من قيودها الصارمة.

وتتمثل أهم سمة من سمات المشتغلين بالعلوم الاجتماعية في حفاظهم على هرمية المؤسسة الأكاديمية، وهو تقليد ينتقل من جيل لآخر، مدعوماً في ذلك ببنية المكانات المتعارف عليها في حقول العلوم الاجتماعية، والتراتبية العلمية. فالبنية الأكاديمية للمشتغلين بالعلوم الاجتماعية تدعم أنماط الاستبداد المتوارثة من جيل لآخر، بحيث لا يستطيع طالب الدراسات العليا أن يخالف أستاذه أو يجادله إلا فيما ندر. وهو نفس ما نجده في قاعات المحاضرات حيث هيمنة الصوت الواحد على جموع الطلاب المحتشدين، بدون القدرة على الجدل أو الاختلاف، على الرغم من أن روح وجوهر العلوم الاجتماعية هو الجدل والاختلاف والتمرد. وفي كلتا الحالتين يلتزم الطلاب الصمت والخضوع والاستكانة رغبة في الحصول على الدرجة العلمية أو النجاح.

واللافت للنظر هنا أن بنية الاستبداد هذه غير ظاهرة للعيان، وليست مكتوبة عبر قواعد محددة للسلوكيات، لكنها، وهذا هو الأخطر والأشد وقعاً وتأثيراً، يتم استدماجها نفسيا واجتماعيا، بحيث تشكل أطراً محددة للتعامل والسلوكيات والممارسات المختلفة، لا يستطيع أيا كان تجاوزها أو العمل من أجل اختراقها، ناهيك عن إزاحتها والقضاء عليها. وفي كل الأحوال تصبح هذه البنية امتداداً لبنية السلطة السياسية في العالم العربي، ويصبح المشتغلون بالعلوم الاجتماعية مشاركين من حيث، يعلمون أو لا يعلمون، يعون أو لا يعون، ينتفعون أو لا ينتفعون، في تأبيد البني الاستبدادية في العلم العربي. ويصبح أى حديث من قبلهم عن الإصلاح والديمقراطية والتغيير والشفافية هو حديث مشمول بالشك والسخرية من قبل الآخرين. وخطورة استمرارية هذه البنية أنها تعمق بنية الطاعة والخنوع من قبل من هم في أدني السلم الأكاديمي لمن هم في قمته. وحتى لو بدت هذه العلاقة تنطوي على نوع من العلاقة الأبوية، فإنها تُولد بين طياتها قدراً كبيراً من الانتهازية والموافقة وتمشية الحال، بدون أن تُنمي قيم التمرد والإلتزام الحقيقي. وفي هذا السياق يلعب أستاذ الجامعة دوراً محورياً في تكريس هذه الوضعية المتدنية

admen

admen

اخبار

احدى مؤسسات لجنة الحوار الدولي المفتوح