إستراتيجية الحرب وإستراتيجية التقدم

عمار ديوب

مع إمعان الليبرالية الجديدة في فرض شروطها الاقتصادية والسياسية والعسكرية على العالم ، يزداد العالم توحشاً وطائفية وقتلاً وفوضى عارمة . هذه الليبرالية توحد العالم عبر تدمير جزئه المُخلف أو عوالمه المهمشة ، ومنذ سقوط الكتلة السوفيتية ، والفقراء يزدادون استغلالاً وموتاً ، فتنهار الدول ويبرز أمراء الحرب بشكل متزايد وبتعطش كبير للدماء وللدولارات الأمريكية ، وهذا كله من دلالات السقوط ومن علائم الليبرالية الجديدة التي تتحالف مع القطب الأمريكي وتوظف دولته لفرض شروطها على العالم..
الليبرالية الجديدة ، من كثرة شفافيتها وديمقراطيتها واحترامها لحقوق الإنسان والحيوان كذلك ، لا تستطيع تدمير العالم بلا أسباب ، فتقدم شركاتها الاحتكارية الإعلامية بعض تلك الأفكار ، التي حتى لو كانت أكاذيب من كثرة التكرار تصبح حقائق ، ففي أفغانستان كان لا بد من الرد الحاسم على 11 أيلول وتنظيم القاعدة ، مع أن القاعدة هي الحليف الاستراتيجي لأمريكا منذ نشؤها وإلى الآن . وفي العراق توجد أسلحة الدمار الشامل ولابد من نثر الديمقراطية كالورود للشعب المعذب ؟ وتخليصه من يد الطاغية ؟ وأيضاً يعتبر صدام المقاتل الغبي ضد إيران دفاعاً عن مصلحة أمريكا في الخليج العربي .
والآن تشن أمريكا الحرب ضد المحاكم الشرعية في الصومال ، التي رأت أمريكا صعود هذه المحاكم ولكن ومع تحولها لشبه دولة كان لابد من غزوها وتدميرها ، فما كان منها وهي المرعوبة من دخولها للصومال في أوائل التسعينيات إلا أن كلفت حذائها الإثيوبي غزو الصومال ، مع قصف جويّ أميركي لاحق لبعض المناطق بحجج متابعة الإرهابيين ، مفجري السفارة الأمريكية في نيروبي ، ولم يتم التأكد إلا من قتل المدنيين الصوماليين ، ورمي قوانين الأمم المتحدة والمعارضة الأوربية لذلك الغزو والقصف بحاويات القمامة …
أمريكا هذه تريد العالم ليس على صورتها وإنما على صورة فئران الأنابيب التي يجتهد علماء المخابر في التجريب عليها وبكل ما يشتهون .
بجردة بسيطة ، ففي أفغانستان بدأت فلول طالبان بالعودة والسيطرة على كثير من المحافظات ، وفي العراق يكاد الوجود الأمريكي ينهار برمته على يد المقاومة ، وفي الصومال ستنبعث المحاكم من جديد ، ومنذ أيام أخذ الحزب القومي الصربي أعلى الأصوات في الانتخابات ، هذا عدا عن الانتصارات اليسارية الساحقة في أمريكا اللاتينية ، التي كانت أمريكا الامبريالية تعتبرها الحديقة الخلفية لها ..
إذن إستراتيجية أمريكا هي فتح العالم لشركاتها واحتكاراتها وذلك عبر شن الحروب لتدمير كل الأماكن التي تشكل إعاقات أو مقاومات لمشروعها ، والمشكلة أن برنامج هذه الدولة لا يزال في بداياته وباعتبارها على هذا النحو فهي لا تملك مشروعاً تقدمياَ للعالم ، فقط مشروع نهب وتدمير له وتحميل أوربا واليابان فاتورة الحرب على أفغانستان والدول النفطية فاتورة الحرب على العراق والآن على إيران …
ولأن أمريكا كذلك ، لن يكون نصيب الصومال بعد نهاية المحاكم الإسلامية إلا استعمار جديد وتدمير مستمر وقاعدة عسكرية أمريكية في القرن الإفريقي ، وعودة المحاكم من جديد..
هذا الدمار الكلي ، وعدم وجود مشروع من أي نوع كان ، هو هو ما يجعل العودة للفئات الرافضة للمشروع الأمريكي حقيقة واقعية ، وباعتبار العالم العربي والإسلامي لا يفرز في العقد الأخير ولأكثر من سبب إلا حركات ذات طبيعة دينية ، فإن أمريكا مع حلفائها من الأنظمة الاستبدادية تعمل وستعمل على تحويل تلك الحركات الدينية إلى حركات طائفية ، تكفر وتذبح الحركات الأخرى أو الشعب ، وهو ما يحدث في العراق وفي أفغانستان أو كما بدأ يظهر في الصومال ..
الخطر الآن المتمثل في الإستراتيجية الليبرالية الجديدة هو خطر الحروب الأهلية وعودة أمراء الحرب أو نشؤهم على أساس الطائفية ، عندها سيتحقق المشروع النيوليبرالي على أنقاض العالم الذي يخوض حروبه المقدسة …
لتكون النتيجة ، طلب تدخل القوات الأمريكية من اجل حماية الأرواح ، والخوف من اجتثاث بعض الأقليات والشعوب ، واستقرار إسرائيل في المنطقة ….
أكثر المسائل فجاجة في العراق هو تشكيل حلف عربي أمريكي إسرائيلي ضد إيران كما حدث في لبنان ضد المقاومة وكما يحدث في السنتين الماضيتين ضد المقاومة العراقية نفسها ، والمشكلة أن بعض الأحزاب السياسية العراقية المحسوبة على المقاومة بدأت تصوب بنادقها نحو الخطر الإيراني بدلالة أنه شيعي ؟ بدلاً من أن تستمر في تصويبها ضد الاحتلال الأمريكي الذميّ؟..
هذا يعني أن بعض حركات المقاومة قد تغلغلت فيها الإستراتيجية الأمريكية وأصبحت تعاني نقصاً في مشروعها الوطني وخفةً في تحليلاتها ، وطائفيةً في توجهاتها . وبالرغم من دورها الوطني في صد قوات الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي فإن انحراف مشروعها أمر ممكن كما أشرت ، لهذا فإن المقاومة لا بد أن تتجاوز محدوديتها وأخطائها وتتنبه لخطورة المشروع الأمريكي ، وأن تكون وطنية وديمقراطية وتحمل مشروعاً سياسياُ مدنياً ، وهي مهمة القوى الوطنية الديمقراطية والأحزاب العلمانية بالأصل التي عليها الدخول في المقاومة العسكرية وببرنامج وطني ديمقراطي في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها …
وبالتالي الإستراتيجية المضادة لليبرالية الجديدة هي إستراتيجية الحركات الوطنية المقاومة لهذا العهد الاستعماري الجديد ..
بوضوح أكثر ، أمريكا بإستراتيجيتها المجربة والفاشلة في كثير من دول العالم ، مع إستراتيجية الدول الأوربية لن تقدم شيء للتقدم في البلدان المتخلفة ، وليست الأخيرة أكثر من أسواق وأماكن للنهب والاحتكار في لعبة الدول الإمبريالية العولمية ..
وبسبب ما تبديه البلدان المُخلفة من مقاومة لن يكون ممكنناً السيطرة عليها في الشرط العولمي إلا عبر تذريرها وتفتيتها طائفياً وقومياً وسياسياً ، وهذا لن يؤدي إلا إلى الدمار ودورات الموت والعبثية ، ولن يكون هناك نهاية عصر قديم وبداية عصر جديد كما يتوهم الليبراليون العرب ، بالقول أنها فاتورة التقدم ؟؟

إن عصر التقدم هو عصر إستراتيجية المقاومة الوطنية الديمقراطية ، التي عليها الاشتراك في العمل النضالي وعلى كافة المستويات ، وتفنيد كل أهداف المشروع الامبريالي وتوضيح إستراتيجيته ، وبذات الوقت تجاوز الأزمات التي وقعت بها الحركات السياسية حاملة مشروع التقدم سواء لجهة هامشية فهمها للثورة الصناعية وضرورتها أو لجهة المسألة الديمقراطية وضرورتها أيضاً أو لجهة المسألة القومية وضرورتها كذلك واحترام الأقليات القومية …
أخيراً ، العالم لم يعد جزراً مقطوعة الأوصال ، والتداخل فيه حقيقة العالم ، وبالتالي فإستراتيجية المقاومة الوطنية والقومية ليست معزولة عن أصقاع الأرض بل هي جزء من إستراتيجية عالمية ترفض وتحارب بكل الوسائل كما أشرت الهجمة الاستعمارية الجديدة على العالم وتسعى نحو عالم جديد أفضل ، وبلا ليبرالية جديدة أو ليبرالية اقتصادية قديمة أو حركات طائفية أو استعمار ..

admen

admen

اخبار

احدى مؤسسات لجنة الحوار الدولي المفتوح