محافظون وثوريون!!

صالح سليمان عبدالعظيم 

كثيراً ما يحيرني ذلك التفاوت بين الفكر المحافظ المتوحد مع العادات والتقاليد والأوضاع القائمة، والفكر الثوري الراديكالي الراغب في التغيير الجذري للفضاء الاجتماعي السائد. وكثيراً ما كنت أسأل نفسي ما الذي يجعل شاباً في مقتبل حياته يمتثل لعادات بالية عفا عليها الزمن، ويتوحد مع بنى راكدة وجامدة؟ وما الذي يجعل شيخاً في أخريات أيامه يُقبل على تبني وطرح أفكار ومقولات جديدة تبدو لأبناء مجتمعه متنافية مع العقد الاجتماعي المتعارف عليه؟

لايمكن أن نحدد أسباباً قاطعة لما يجعل شخصاً ما محافظاً، وما يجعل شخصاً آخر ثوريا. فهذه الإنتماءات ترتبط بأسباب عديدة منها النشأة والتربية والسياق الأكاديمي والثقافي، وشلة الأصدقاء، إضافة إلى طبيعة السياق المجتمعي وتوجهاته الفكرية المختلفة. وحتى هذه الأسباب تتفاوت في تأثيراتها من شخص لآخر، ومن سياق لآخر، ومن مجتمع لآخر. ففي أحيان كثيرة نجد شخصاً محافظاً ينتمي لنفس الأسرة التي أنتجت شخصاً آخر بالغ الثورية، كما أن المدرسة نفسها قد تنتج أشخاصاً محافظين، كما قد تنتج أشخاصاً آخرين ثوريين. فمسألة تقبل الأفكار والتعايش معها والتوحد والإلتصاق بها، مسألة معقدة ومتعددة الأسباب.

كما أن الأشخاص أنفسهم يتحولون عبر مسيرتهم الفكرية من فكر محافظ إلى فكر آخر ثوري، والعكس أيضاً صحيح. ولدينا في العالم العربي العديد من الأسماء الفكرية اللامعة التي جربت العديد من ضفاف الفكر وتحولاته المُضنية. فالبعض منهم إنتقل من أقصى اليمين المحافظ إلى أقصى اليسار الثوري، كم أن بعضهم قضى معظم حياته بين الأحزاب الشيوعية الراديكالية، لينتهي به المطاف بين رحاب الإتجاهات الدينية المحافظة!!

وتاريخ الحضارات الإنسانية منذ بداياتها الغابرة وحتى الآن هو تاريخ الصراع بين الفكر المحافظ والفكر الثوري؛ فما من حضارة بشرية تقدمت وانتشرت وتسيدت إلا ومرت بهذا الصراع بين الأفكار المحافظة وتلك الثورية. ويختلف شكل الصراع من مجتمع لآخر ومن حضارة لأخرى ومن فترة زمنية لأخرى. ونحن هنا لسنا في معرض التمييز بين الجانبين، المحافظ والثوري، فكلاهما هام ولازم لأي مجتمع إنساني. ففي مراحل معينة يستند المجتمع إلى طروحات محافظة، كانت في وقت من الأوقات ثورية، ويتملقها ويساهم في تأبيدها، لما تنطوي عليه من إمكانيات ترتبط بالحفاظ على المجتمع واستمرارية بنياته وقيمه وأفكاره. وفي مراحل أخرى يلفظ المجتمع هذه الأفكار، وينقلب عليها، وينشد أفكاراً جديدة ثورية ومغايرة لما تعودت عليه الجماعة الاجتماعية.

واللافت للنظر هنا أنه لا توجد أفكار محافظة وأفكار ثورية في حد ذاتها، فهى محافظة أو ثورية بالقياس لما يراه أفراد المجتمع ويحكمون عليه. فالأفكار تختلف باختلاف الأزمنة، وباختلاف الأجيال التي تحكم عليها وتتناولها. بمعنى آخر أن المسألة رهن في التحليل النهائي بأحكام المجتمع ورضا أفراده. وكلما كان المجتمع قادراً على الإنتقال من مرحلة فكرية لأخرى بسلاسة وقبول اجتماعي واسع المدى، كلما إستطاعت الأفكار ذاتها أن تجرب نفسها، وتختبر قدراتها، بالطبع لفترة من الزمان حتى يتم إحلالها بأفكار أخرى جديدة، وهكذا دواليك. ومسيرة المجتمعات الغربية منذ عصور التنوير وحتى الآن تمت بمثل هذا الإنتقال من مدرسة فكرية لأخرى ومن تيار فكري لآخر. ويجب أن نضع في اعتبارنا أن إنتقال الأفكار لا يخلو في الكثير من الأحيان من أوجه صراعية محتلفة، لكن قدرة المجتمعات على تجنب الصراعات الحادة الممزقة لها تسمح بتنوع الأفكار وقبولها، كما تسمح بالمزيد من اختبار الأفكار الجديدة الثورية.

وتتهدد المجتمعات الإنسانية حينما يصيبها ذلك الإنشطار بين فكر محافظ وفكر ثوري. فأصحاب الأفكار المحافظة يرون أنهم أحق بقيادة المجتمع، هم أنبياء وسدنة الأخلاق والقيم والعادات والتقاليد والتراث، بينما أصحاب الأفكار الثورية يرون أنهم الأحق من حيث أفكارهم الجديدة التقدمية النهضوية، فهم أنبياء التغيير وسدنة التجديد والتحديث والتنوير. وحينما يقع المجتمع تحت وطأة هذا الإنشطار تتصارع القوى الاجتماعية الحاملة لهذه الأفكار صراعاً مريراً ليس من أجل تطوير المجتمع، ولكن من أجل مصالح شخصية ضيقة تقود المجتمع إلى الخراب والتفكك والإنهيار والركود. والمجتمعات البشرية التي تقع ضحية لهذا النوع من الإنقسام والإنشطار الفكريين تظل راكدة وثابتة، لا تتحرك إلى الأمام، ولا تُغلق ملفات الجدل العقيم. تتحرك من حولها الأمم والشعوب وتتقدم، بينما هى راكدة وجامدة في عبثية مناوشاتها ومناطحاتها الجدلية العقيمة.

والشاهد أن هذا هو الحال في عالمنا العربي منذ ما يزيد على قرن من الزمان، وبشكلٍ أكثر تحديداً منذ بدايات القرن العشرين، حيث فجر النهضة العربي الحديث. فمنذ ما يزيد على المائة عام، استعر الصراع بين تياريين فكريين، أحدهما محافظ ينشد القيم والأخلاق والتراث والتقليد، والآخر ثوري تقدمي ينشد التغيير والنمو والتقدم. ومنذ ذلك التاريخ تحول العالم العربي إلى المزيد والمزيد من هذا الإنقسام الفكري الحاد، الذي وصل إلى حد الإستعداء والصراع العنيف بين الطرفين. ومنذ ذلك الحين لم تتقدم المجتمعات العربية تقدماً حقيقيا، بقدر ما أخذت تلتف حول ذلك الإستقطاب الفكري الحاد بين الإتجاهات الفكرية المحافظة والثورية. فمن يصدق أن مسألة الحجاب مازالت تُثار منذ ما يزيد على المائة عام في العالم العربي، ومن يصدق أن الكثير من الجدل والمعارك الفكرية مازالت سارية المفعول حول عمل المرأة وخروجها من المنزل، ناهيك عن العديد من المعارك الفكرية الأخرى الفارغة من المعنى والمضمون مثل صلاحية الديمقراطية ومدى إتفاقها مع عاداتنا وتقاليدنا، والتعامل مع الآخر الغربي، والإستعانة بمنتجاته التكنولوجية. وأخيراً وليس آخراً تلك القضايا المتعلقة بالعدل الاجتماعي وكيفية تطبيقه في العالم العربي.

لم يفلح العالم العربي عبر هذا الإنشطار الفكري الحاد في غلق أي من هذه الملفات الساخنة، حيث استمرأت القوى الاجتماعية على الجانبين مناقشة هذه القضايا وتناولها والإستفادة من إثارتها. فلم يفلح المحافظون أن يقدموا تفسيرات جيدة لهذه القضايا، وارتكنوا إلى أحكام أخلاقية دينية، أوصلتهم في الكثير من الأحيان إلى تكفير الطرف الآخر المعارض لهم. كما لم يفلح الثوريون على كافة أشكالهم ومشاربهم الفكرية أن يقدموا تفسيرات فكرية تراعي خصوصية المجتمعات العربية، حيث استعلوا بثوريتهم، وتفسيراتهم التقدمية على الآخرين، بطريقة أوصلتهم في النهاية إلى إتهام الطرف الآخر بالتخلف والجمود.

ورغم غلبة التيارات المحافظة على عالمنا العربي، بسبب من التخلف المجتمعي العربي العام، وبسبب من تلك القشرة الأخلاقية المفتعلة التي تدغدغ مشاعر الملايين من الأميين في عالمنا العربي، فإن المنتمين لهذا التيار لم يستفيدوا من ذلك الزخم الشعبي بتثوير أنفسهم، وبخلق تفسيرات جديدة تتيح لهم التعامل الحى الواعي مع متغيرات العصر، وتقلباته المختلفة. حيث اكتفوا بالملايين الذين يتبعونهم، ويُقبلون على تفسيراتهم الأخلاقية الدينية المحافظة. كما أن الثوريين، استمروا في طروحاتهم المفارقة لمجتمعاتهم، المستوردة غالباً، رغم تقدميتها وألمعيتها، ولم يحاولوا أن يقدموا تفسيرات جديدة تتسق مع الواقع المجتمعي المعيش، ومع ظروف الملايين من الفقراء والأميين. وعلى ما يبدو أن المحافظين في عالمنا العربي يحتاجون الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تثوير أفكارهم، كما أن الثوريين يحتاجون إلى المزيد من تهذيب أفكارهم، وإكسابها بعض اللمسات المجتمعية الواقعية. وفي كل الأحوال يحتاج الطرفان إلى أن يُدركا أن واقع الحال العربي المعاصر لم يعد يمتلك ترف العراك بينهما من أجل مصالحهما الشخصية الضيقة، فما أحوج الأمة الآن للتبادل السلمي للأفكار والمقولات والإتجاهات التي تصب في الصالح العام، وتساعد على غلق الملفات العقيمة التي مر على فتحها الآن أكثر من قرن من الزمان.

admen

admen

اخبار

احدى مؤسسات لجنة الحوار الدولي المفتوح