متى يخرج لبنان من عنق الزجاجة ؟

د.سيار الجميل

د.سيار الجميل

يبدو أن المسيو جاك شيراك حريص على لبنان اكثر من اللبنانيين انفسهم ، اذ اعلن في المؤتر الدولي لمساعدة لبنان الذي انعقد بباريس قبل ايام ان المؤتمر يشكل استحقاقا حاسما من اجل قيام لبنان موحد ومتوافق ويتمتع بالسيادة ، واستطرد يقول إن المؤتمر المنعقد بمشاركة ممثلين عن نحو 40 دولة و14 هيئة دولية هو “استحقاق حاسم وفرصة فريدة لنؤكد مجددا وبقوة، تطلعنا لقيام لبنان موحد ومتوافق ويتمتع بالسيادة في إطار احترام كل مكوناته”. صحيح أن المؤتمر ينعقد كي يساعد لبنان ويخرجه من عنق الزجاجة الضيق ، ولكن هل كانت مشكلته اقتصادية سببا في أن يبقى يعيش أزمته ، أم أن معضلته سياسية وأمنية بالدرجة الأولى ؟ هل كانت إخفاقاته الاقتصادية سببا أم نتيجة لما حصده عند نهاية العام 2006 ؟ وحتى إن افترضنا جدلا أن لبنان نال استحقاقه الحاسم ، فهل سينجح في اعمار ما خلفّته الحرب ؟ هل سيعيد مؤتمر باريس حالة الأمن والتوافق إلى ربوع لبنان ومن خلال برنامج فؤاد السنيورة الإصلاحي ؟ هل سينجح في إسكات المعارضة التي تعارض لا البرامج والخطط حسب ، بل تعارض المبادئ والأسس أصلا ؟ ان مشكلة لبنان سياسية منذ أن خلق قبل قرون وحتى يومنا هذا ! وان فرصه في الانطلاق الاقتصادي لا يمكنها أن تنجح من دون استقرار سياسي وأمني حقيقي ، وبتر أي تدخل خارجي في الشأن اللبناني !

إن كل من يسعى لتوفير فرصة تاريخية سانحة للبنان أوربيا وعربيا وبالرغم من إخلاصه من اجل لبنان ، إلا انه لم يدرك بعد عمق الهوة التي تفصل الحكومة عن المعارضة ، وان كلا منهما يسير باتجاه مخالف للآخر ! أي بمعنى أن التباين لا يمكن تعويضه بمنحة مؤتمر دولي للحكومة حتى يقابل بمنحة طرف إقليمي للمعارضة ، وسواء كان برنامج السنيورة شجاعا أم جبانا ، فان المجتمع الدولي لم يدرك بعد حجم الشرخ في لبنان ، إذ أن مشكلته اليوم قد تجاوزت من صراع الفرقاء الذين جمعهم الطائف قبل سنوات طوال وها هم قد افترقوا عند نقطة اللاعودة ، اذ اخذ كل فريق طريق معاكس للآخر . وان الحرب نفسها كانت انعكاسا لصراع القوى التي يصعب جمعها على منهج عمل واحد ، إذا كانت تستهدف خدمة لبنان أساسا .

ربما كان السنيورة مصيبا تكتيكيا بقوله : ” إن القضايا الاقتصادية والسياسية متشابكة وإن البلاد يتهددها انكماش اقتصادي شديد بسبب العدوان الإسرائيلي خلال الصيف الماضي الذي الحق دمارا كبيرا في البني التحتية اللبنانية ” . ولكن الرجل يدرك أن لبنان يعيش حالة اقتصادية صعبة ، وان المليارات لا يمكنها أن تحل الأزمة ، ولكنها تساهم في دعم الميزانية العامة . إن السنيورة يعتبر نفسه الآن بمثابة المنتصر السياسي في الداخل ما دام على رأس السلطة ، وانه نجح في أن يغدو المنتصر الاقتصادي في الخارج . ولكن هل نجح في إيجاد حلول للازمة اللبنانية أم انه يعمل على تفاقم الأزمة ؟

لا يمكن للمرء أن يتخيّل لماذا كل هذا ” الصراع ” بين الفرقاء اللبنانيين ، والحقيقة إن الصراع ليس بين عدة أطراف ، بل بين طرفين اثنين لا ثالث لهما .. ولا اعتقد أنها مجرد خلافات داخلية بالإمكان احتواءها ، وان اللجوء إلى الحوار سيحلّها .. وان أي مساعي تبذل للمساعدة ستكون ذات مردود كبير .. إنني بدأت اربط بين المشكلات في منطقتنا ، فما لا ينفع في العراق سوف لن ينفع بالضرورة في لبنان .. إن مساعدات فرنسا والسعودية والبنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي وصندوق النقد العربي وصندوق التنمية الإسلامي .. وما وعد به لبنان من مليارات سوف لا يحّل الأزمة اللبنانية ، بل سيساعد على حل الإخفاقات الاقتصادية ، ولكنه سيفاقم من المشكلات السياسية .. بمعنى : أن ما سيّقدم يعد بمثابة ترسيخ لشرعية الحكومة التي يناضل حزب الله وحلفائه بحلها .. إنني أبارك لها هذا الانجاز التي أسبغ على رئيسها واعضائها السرور ، ولكن بيروت تعيش اشتباكات مثيرة وهي على حافة حرب أهلية بين طرفين منقسمين .. إن تعهد المانحين الدوليين بسبعة مليارات وستمئة مليون دولار إلى لبنان من دون شروط سياسية يمكن أن يفرحنا جميعا كما افرح الفريق الحكومي اللبناني ، ولكن نتائجه حتى وان لم تقبض بيروت ما وعدت به سيفجّر الموقف ، فالفريق المعارض لا يدرك أن ما حصل هو عون للبنان ، بل تكريس لطرف على حساب الطرف الأخر ! خصوصا وان كوندوليزا رايس وزير الخارجية الأمريكية كانت تشدد على ضرورة افادة جميع اللبنانيين من الدعم الاقتصادي لاصلاحات حكومة فؤاد السنيورة. لكن مظاهرات بيروت الدامية أكدت مجددا ان حل الأزمة اللبنانية سيكون في العاصمة اللبنانية وليس في أروقة دوائر صنع القرار الغربي.

ان المنح المالية ستساعد لبنان حتما ، ولكن بعد أن يخرج بنفسه من عنق الزجاجة ، وان مثل هذه ” العملية ” بالرغم من ضرورتها الأساسية ، فهي لا يمكنها أن ترضي كل اللبنانيين الذين باتوا على تماس مع النار الداخلية ، وان المشكلة اللبنانية بالرغم من كونها اقل خطورة من المشكلة العراقية ، إلا أنها ليست دولية وعربية بأدوات محلية ، ان اللعب بدأ إقليميا في تحريك أحجار الشطرنج هنا وهناك ! فهل يمكن للأخوة اللبنانيين من فهم المعادلة الجديدة ؟ إن المعادلة القديمة التي تشّظت بانفجار الحرب الأهلية لم يعد لها وجود ، إذ استجدت معادلة جديدة ستقود إلى الانفجار ـ لا سمح الله ـ .. وعند ذاك سنبكي على لبنان وهو يسقط في قعر الزجاجة ! فهل هناك من يشاركني هذا الهاجس خوفا على مصير لبنان ؟

admen

admen

اخبار

احدى مؤسسات لجنة الحوار الدولي المفتوح