وماهي الخيارات المتاحة ج7

قرار مجلس الامن ومصاعب الثورة السورية
البحث عن المصالح الوطنية السورية والحذر من الشعارات الخلابة وفخ السلفيات

 (اليسراوية “اليسارية” والاسلاموية “الجهادية)

معز محيي الدين ابو الجدايل
معز محي الدين ابو الجدايل

انهيار نظام الحزب الواحد بهيكله السابق وانتصار الثورة السورية اصبح امرا واقعيا، ولكن لكي لا نكذب على انفسنا، ويكون مستقبل بلدنا فريسة سهلة وخاصة لتلك البلدان التي كانت تستهزء  بالثورة السورية ووجدت مصالحها بالحفاظ على النظام القائم مهما كان الثمن، ودافعت عن النظام بدون رحمة او مشاعر انسانية، لا بد من الاعتراف بان مسار الثورة السورية كان قد اتخذت طريقا هو الاسوأ بين السيناريوهات المحتملة منذ اندلاع الثورة، ونحن بحاجة الى الدقة العلمية بعيدا عن الشعارات في بناء سوريا الحديثة ، لنثبت للعالم اننا مازلنا مهد الحضارة البشرية، ولا نعيش على امجاد الماضي.

ومن احدى الاسباب الرئيسية لذلك السيناريو هو ، الدور التاريخي لسوريا وقدسيتها للديانات السماوية ، رغم صغر مساحتها لكنها تملك اعظم تاريخ عرفته البشرية لدرجة ان الكثير من المؤرخين اتفقوا على انها مهد الحضارة الانسانية، ومن هنا نستطيع ان نقول بعد اندلاع الثورة السورية بدأ ما يطلق عليه في علم السياسة “الجيوسياسية” صراع المصالح “الدولية والاقليمية” ، ولا بد لنا من الاعتراف بان النظام المنهار كان قد وجد عبر العقود الماضية صيغة مناسبة ترضي جميع الاطراف الاقليمية والعالمية ، ومع اندلاع الثورة السورية بدأت جميع الاطراف تبحث عن مصالحها ، هو امر طبيعي في العلاقات السياسية ، ولكن لكي لا ندخل في المهاترات، في الظاهر خلابة وفي الجوهر “تاجيج العنف لدى ابناء وطننا ” ، فنحن كنا قد اعتدنا على سماعها من قبل جميع الاحزاب الطفيلية في بلداننا ، ممن نطلق عليهم الان السلفيات اليسراوية والاسلاموية ، تنادي كالببغاء ، الاولى بالقضاء على الامبريالية والاستعمار علما ان هذه البلدان “الامبريالية والاستعمار” حققت لشعوبها الكثير الكثير مما نحلم به نحن، وتجعل رغبة الهجرة اليها حتى من قيادات يطلقون عنان تلك العبارات والثانية على اعداء الاسلام ، هنا لا بد لنا من الاعتزاز والفخر بالثقافة الاسلامية كجزء لا يتجزأ من تاريخ بلدنا ، لكن لسنا بحاجة الى ممارسة اساليب قديمة عمرها من عمر الدعوة الاسلامية ، هل من الحكمة ان تقاتل بالسيف من معه بندقية!؟. لكي تكون الفكرة واضحة وغير قابلة لتأويل نحن في هذا العصر يكاد عدد المسلميين يفوق اعداد باقي الديانات ، أليس حماية الغالبية العظمى من المسلمين مما نشاهده ونلمسه جميعا “هو الفقر والجوع وتامين لهم مستلزمات الحياة الكريمة” هي عبارة عن تحد هام لنا امام اعداء الاسلام في هذه المرحلة ، يجب علينا القيام به بدلا من الخوض في مهاترات ومخالفة لما ورد في القرآن، بالصاق التهم بالكفر لهذا او ذاك، علما ان الله سبحانه لم يكلف احد بهذا لان يوم القيامة قادم .!؟
ومن هنا سنخصص الحديث عن بعض المسلمات التي نكررها جميعا ، فمن السائد لدى الجميع ما يسمى بالتيارات السلفية او الجهادية والتي توصف بانها تيارات ارهابية، بغض النظر عن ان هذه التسميات هي عبارة عن مصطلحات سياسية ، لكننا يمكن ان نصفها وهي تعترف بذلك بانها تيارات مازالت تعيش في القرن السادس ميلادي ، هي لا تستطيع التأقلم مع اسلوب الحياة في القرن الحالي لذا ارتأت لرفع شعارات خلابة تذكر بامجاد اجدادنا العظيمة، قد لا يختلف مجتمع عن مجتمع اخر في الكثير من الشعارات ، مثال : الخير والسلام والعدل ولكن النسبية في هذه الشعارات نجدها مختلفة بين عصر واخر ، و الافكار التي كانت سائدة انا ذاك وتقوم على مدى تطور المجتمع البشري وماهي الثقافة التي كانت سائدة في القرون الماضية، مثالنا واضحا “كما كان يعيش الانسان في القرن السادس ميلادي” وللاسف تستخدم هذه التعبيرات تحت مسميات خلابة ومختلفة و تحت عباءة الدين ، وكان قد وقع ضحيتها الكثير من الناس وفي بلدان عدة ، لسنا بحاجة الى الحديث المطول عنها لان امثلتها كثيرة ونعيشها جميعا ، ويمكن لكل شخص منا مراجعتها ومعرفة الحلقة المفرغة في هذه المعضلة ، بعيدا عن الاعيب السياسة من هذا او ذاك الطرف – نقصد بهذه المقدمة- ومن هنا ايضا نجد اوجه الشبه التي تجعلنا نطلق على التيارات اليسراوية بالسلفية في البلدان العربية بشكل خاص وبلدان اطلقت على نفسها حركة التحرر العالمية بشكل عام ، لانها ايضا لم تستطع فهم القرن الحالي وتعيش في القرن التاسع عشر بدلا من القرن السادس ومن المؤسف انها تتحدث عن تخلف تلك التيارات السلفية الجهادية وتنسى انها ايضا وقعت في نفس المصيدة ، التي كانت سببا رئيسيا في الثورات التي ابتدأت مع نهاية القرن العشرين و انهيار دول كان لها دورا قياديا في التاريخ البشري.
بالطبع كعمل صحفي ، واحترام مبدأ حقوق الانسان ، لابد من التنويه ، باننا لسنا بصدد المساس باي عقيدة دينية كانت ام فكرية ، تخص هذا او ذاك الشخص ، بقدر ما نحن نريد اضاءة الاخطاء في المنهج المتبع لكل طرف على حد سواء. ونحمي بلدنا في الكثير من المتاعب المقبلة ، فالبناء اصعب من الهدم.
من خلال مراقبتنا لمصطلحات شائعة بين الناس وسؤال يتكرر دائما عن مستقبل بلدنا العزيز سوريا ، “دولة علمانية ام اسلامية” ، نؤكد هنا نقع بفخ كما يقال “بين النصابين والمحتالين” وحسب اختلاف المصالح الدولية والاقليمية ، والسبب في هذا واضح لنا جميعا ولكن نتيجة الحالة اللاطبيعة التي نعيشها جميعا تجعلنا عرضة للمساومة من قبل الكثير من تجار الساسة من هذه او تلك الدولة ،وهنا نكرر اننا لسنا بصدد قتل الناطور “فتح العداء لاي دولة” وانما بالحصول على العنب بناء مستقبل افضل لاجيالنا، وهنا نضع مثال عن الية السياسة في عصرنا :”رغم الخلاف الحاد بين تركيا  بشأن  دعم الثورة السورية وروسيا دعم النظام القائم، غير ان تركيا كانت قد حصلت على عقود سخية من روسيا من منطلق قوة ودون اي  عداء او حرب يمكن ان تندلع بينهما كما كان يحصل سابقا.

ولكي نضع النقط على الحروف لا بد لنا من الاجابة عن تلك الاسئلة :
هل العلمانية والدين خطان متوازيان ومتعاكسان ؟ ام هما خطان متوازيان لا يلتقيان ولا يتعارضان ؟ وما الفرق بين السؤالين … الى ماذا يقودنا التميز بينهما
الذين يتبنون الشطر الاول “خطان متوازيان ومتعاكسان” ، هم مخطؤون سواء من هذا الطرف او ذاك والسبب:
ان الديانات جاءت متعاقبة ولاكمال بعضها البعض ، نطرح سؤالنا اولا للغالبية العظمى من علماء الدين، من خلال تبنيهم لهذه الفكرة ونشر ثقافة المضادة للعلمانية بانها ضد الدين ، لماذا الله سبحانه وتعالى ارسل رسلا وليس رسولا واحدا؟ مع العلم انه كان قادرا على ارسال رسولا واحد ينشر تعاليمه بين الناس؟ اذا هنا حكمة لله سبحانه وتعالى ، بين الحين والاخر كان يرسل رسولا ، هل بامكاننا ان نقول : لان الانسان الذي عاش بعهد الرسول موسى مثلا يختلف عن الانسان الذي عاش في عهد الرسول محمد “ص” في الثقافة والوعي؟ ولان تطور المجتمع البشري يجعل من الانسان في هذا العصر يختلف عن الانسان الذي في العصور السالفة له؟.
ونذكر بعض الايات الكريمة التي تجعلنا نضع هذه الاسئلة وتشرح لنا كيف كان الناس يفكرون عندما جاء الاسلام قال تعالى “وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون”
وبعض الايات عن التوافق بين العلم والدين قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ ، “بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم” ، ومن هنا ايضا نطرح سؤالنا على الغالبية العظمى لعلماء الدين المعاصر ، لماذا استطاع علماء الدين الاسلامي منذ بداية الدعوة الاسلامية حتى سقوط الدولة العباسية ان ينشروا حضارة امتدت من الشرق الى الغرب، وعندما اصبح علماء الدين الاسلامي مثلهم مثل الاية الكريمة ” نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ” ، اين الاجتهاد الذي كلفهم اياه رب العباد ،لكي يظل الدين الاسلامي دين يسر وليس دين عسر، وهل يصبح من يكرر الاقوال ويحفظها كالببغاء عالم دين؟.
اما سؤالنا لمفكري الحركات اليسارية بغض النظر عن اختلاف الترجمة لمقولة ماركس “الدين افيون الشعوب” التي تعتبر مصدرا هاما تنطلقون منها ، ولسنا في مجال صحة الترجمة فالمصادر المترجمة عن اللغة الروسية تختلف عن المصادر الماركسية في لغات اخرى ، لكن بحسب قوانين الديالكتيك ، نتفق على ان الاسلام جاء لينفي مرحلة جهل كان قد عاشها الانسان في شبه الجزيرة العربية ، وتم بناء حضارة انسانية لا يمكن انكارها ، وبعد سقوط الدولة العباسية بدأت مرحلة التراجع الحضاري ، فهل سببه الدين ام سببه رجالات الدين وعلماء الدولة؟ وهو يشابه ما يحدث الان للتيارات الشيوعية ، فما زال الكثير من الشيوعيين يكررون افكار قالها ماركس في القرن الثامن عشر عن ديكتاتورية البروليتاريا مثلا ، نطرح سؤالنا لكم اين البروليتاريا التي تحدث عنها ماركس في اوروبا؟ ولماذا استطاعت تلك الدول المتقدمة ايجاد علاقة جديدة بين الدين والعلم ” هما خطان متوازيان لا يلتقيان ولا يتعارضان”. هنا نلاحظ حتى العلماء او العلمانيين يفتخرون بانهم مسيحيين ولا يستغنون عن هويتهم الدينية، اذا لقد تم الحفاظ على الهوية الدينية ، وقيام دولة علمانية ومؤسساتية تحمي مواطنيها ؟ لم تستطع بناءها دول كانت تتدعي الفكر الماركسي.
اذا هنا نجد ان كلا الطرفيين في بلداننا منذ عقود وما زالوا يتابعون نفس الهدف في قيادة المجتمع والمواطن الى العنف المتزايد “الدين والعلم في صراع دائم، متوازيان ومتعاكسان ” ، مما يزيد الطين بلة.

admen

admen

اخبار

احدى مؤسسات لجنة الحوار الدولي المفتوح