ما لا ُيكتب لا يوجد أبدا

د.نوال السعداوي

فى ذاكرتى «رواية» لم تكتب، تعيش فى كياني، تحتل الوعى واللاوعي، منذ ماتت أمى فى شبابها وهى تمسك يدى بيدها، كنت طبيبة فى العشرينات من عمري، ممشوقة القوام، جامحة العقل والثقة بالنفس، يقول الناس عنها: فتاة غير عادية، جاذبيتها غير مألوفة، نفورها من الجنس الآخر غير طبيعي، لكن التاريخ كان يقول لها: هذا الجنس إنحدرت فصيلته من الغوريللا، قبل ظهور مؤسسة الزواج، وكلمة «بعلب» كانت تعنى «الزوج»، لم يكن فوق العين نقطة حينئذ، وكانت تعنى أيضا المعبود «بعل»، إله القبائل القديمة، التى تحولت من تقديس الأم الى عبادة الأب.

فى ملفاتى بالكومبيوتر أربع روايات لم تكتمل أبدا، منها رواية أمى «زينب شكري»، ومنها رواية «الطفلة وردة»، ومنها رواية «الرجل الذى لم يوجد أبدا» وأجزاء متعددة من روايات أخري، بدأت كتابتها منذ القرن الماضى وحتى القرن الحالى .

فى الصباح الباكر، كنت أمر بها، حين أخرج من بيتى فى رياضة المشى اليومية، أجتاز شارع الجيزة إلى كوبرى عباس، ومنه الى شارع النيل من جهة المنيل، ثم الى كوبرى الجامعة حتى نهايته، فأتجه لليسار إلى شارع النيل بالجيزة حتى كوبرى عباس، دورة كاملة حول النيل تستغرق خمسين دقيقة، كانت هى تغسل السيارات فى شارع النيل، أمام العمارة، ما بين مبنى السفارة الفرنسية بلونها الوردي، ومنزل السفير الأمريكى الأبيض بسوره العالى كالقلعة، طفلة فى العاشرة أو الحادية عشرة، قالت اسمها «وردة»، تلف رأسها ثلاث لفات أو أربع بحجاب شاحب الزرقة يميل للصفرة، فى يدها جردل بلاستيك أخضر، وفوطة صفراء بليت من كثرة الاستخدام، جلبابها الرمادى الطويل مبلول تعلوه البقع والرقع، يلتصق بصدرها وبطنها، يدها اليمنى تدعك زجاج السيارة بقوة وإتقان، حتى ترى وجهها فيه كالمرآة، تتوقف لحظة، كأنها مندهشة لرؤية وجهها أمامها، لم تعرف منذ ولدت أن لها وجها، أو أن لها أما، أو بيتا فيه مرآة، سكان العمارة يملكون السيارات التى تنظفها كل صباح، مالك العمارة يسمونه الباشا، ابنته دكتورة، تخرج مع كلبها الوولف كل صباح, شفتاها مزموتان لا تنفرجان فى إبتسامة، يسرع السائق الأسود ليفتح لها باب السيارة الطويلة البيضاء ذات البوز المدبب، يبتسم الكلب ويهز رأسه برقة، أكان يبتسم لها؟ لم تر من قبل إبتسامة كلب، فهل يبتسم الحيوان كالإنسان؟ تحرق كلمة «إنسان» حلقها، تمتليء عيناها بالدموع دون وعي، تمر الدكتورة بجوارها قبل أن تصل الى سيارتها، تلتقط عطرها الرقيق كالياسمين فتنكمش داخل جلبابها، تكتم فى جسدها رائحة عرقها المتراكم تحت إبطيها، تطرق للأرض فترى حذاءها الجلدى المتين له بوز طويل مدبب، كعبه العالى الرفيع يدق بلاط الرصيف بصوت عال، من بوز شبشبها البلاستيك تطل أصابع قدميها الطفولية بأظافرها المقصوفة تحتها لون أسود، يداها تدعكان الزجاج، أصابعها ناحلة أظافرها مشققة بالماء والصودا الكاوية والكيماويات فى سوائل التنظيف.

سقطت نقطة ماء ساخنة فوق الزجاج فأدركت أنها تبكي، لماذا تبكى الآن ولم تكن تبكى أبدا؟ تمسح دموعها وتضحك، عيناها السوداوتان يكسوهما بريق طفولي، تبتسم للكلب الوولف وقلبها يمتليء بالحزن.

أتوقف عندها كل صباح، كنت طفلة مثلها، أبتسم للقطط والكلاب، لم أكن أغسل السيارات فى الشارع، وكان لى بيت فيه مرآة وأم وأب وأخ أيضا يسقط أخى كل عام فى المدرسة وأنا أنجح بتفوق، يحظى فى العيد والإجازات بضعف نصيبي، ويخرج ليلعب مع أصحابه، وأبقى أنا بالبيت لأطبخ مع أمي، وأمسح البلاط، وأدعك المرحاض، لم تكن فضلات أبى تطعن كرامتي، فهو إنسان رقيق، ليس مثل أخى المتغطرس، فضلاته طعنة فى صدري، وأزعق فى غضب: ليه؟ ليه؟ وترد جدتى «أمر لله» وأزعق «لأ لأ»، فى الليل وأنا نائمة أطعنه بسكين المطبخ.

هذه اللحظة تهرب الرواية مني، وتسقط فى بئر العدم، أهى «فرجينيا وولف» التى قالت «ما لا يكتب لا يوجد أبدا».؟

admen

admen

اخبار

احدى مؤسسات لجنة الحوار الدولي المفتوح